Wednesday, November 21, 2007

انت ركبت القطر ولا داس عليك؟


انت ركبت القطر ..ولاّ داس عليك؟! ا


يبدأ المذيع بصوته "البيرسولي"- نسبة إلى مبيد الحشرات الشهير!- في طرح سؤال عميق على أحد الشباب الجالسين على القهوة "إنت قاعد عندك هنا بتعمل إيه ..قوم اشتغل"..يرد الشاب ببلاهة أحسده عليها "أصل أنا معايا شهادة جامعية ..مستني الشغل!"..يرد المذيع "قوم في مصانع محتاجاك "،يرد الشاب بذكاء "ومين هيرضى يجوزني بنته وأنا عامل في مصنع؟"..فعلا وصمة عار!..يرد المذيع بلباقة"ومين هيرضى يجوزك بنته وانت قاعد على قهوة!"،فعلا ذكي يا عم المذيع! ..ينتهي اللقاء بأنه بالمختصر المفيد ،"في واحد ركب القطر وراح اشتغل ..والشغلانة جابت شغلانة وبقى كسيب – لقطة لشاب وسيم يركب القطار – سبحان الله قطار نظيف- لا أقصد رئيس حكومتنا أدام الله عزه!- قطار لم يصبه العطب ولا الصدأ!،ولقطة أخرى لنفس الشاب ببذلة العامل والخوذة وهو يعمل بجد،ثم لقطة أخرى وهو مرتدي "الكرافات" المربوط بإهمال – آل يعني الشغل !- وقميص شيك للغاية ومبتسم ويسلم على أحد العملاء !- "هذا ما نسميه في الدراما انحلال عقدة الأحداث!"..أما باقي الجملة "والتاني فاته القطر- لقطة للشاب الجالس على القهوة وهو يجري بشنطة خلف قطار !- انت بقى مين فيهم ..اللي ركب القطر وبقى كسيب ..ولا اللي فاته القطر؟!"..هذا إعلان تلفزيوني عن طلب عمال في المصانع..كانت الجهة المعلنة "اتحاد الصناعات المصرية" كان هذا الإعلان يتكرر بشكل يؤكد أنه لو لم ألمم ملابسي في جوال محترم ..والقرشين الحيلة في طرحة أتعصب بها مثل أحمد زكي في فيلم "البيه البواب"..واتجهت في الوقت المناسب إلى محطة القطار في بلدنا حتى ألحق الوظيفة والمصنع ..لأنتهى بي الأمر إلى مأساة عاطفية ومشهد درامي مثير ..وأنا أجري وراء القطار محاولة تقليد الجميلة "شادية"في فيلم "أغلى من حياتي".."أحمااااد"- عم أحمد سائق القطار بالطبع!- ويا ألف ندامة على عم أحمد الذي لو كان يمتلك هاتفا محمولا –موبايل أعني! – لكنت أرسلت له "ميست كول"- هذا نطقها الصحيح بالإنجليزية الفصحى!- فيستسلم للمكالمات الفائتة ويركن القطار على شط الترعة عدل..وألحق الوظيفة..لكن النصيب!..ا

مسألة أن يفوتك القطار – أو يدوس عليك كإحتمال أقوى وأكثر واقعية !- وأنت جالس على القهوة تلعب عشرتين طاولة ،حسب ما يصور الإعلان ..يؤكد - ماشاء الله ولا قوة إلا بالله – أن هناك فئة عظمى من الشباب –حاملي المؤهلات العليا- تعاف أنفسهم الوقوف في المصانع والتضحية ب15 عاما من التنطيط بين الفصول والمدرجات والدكك..وبين صفحات تحمل هراءا ،حتى يرتدوا (العفريتة) الشيك ..والتي ستؤدي بهم – لا محالة كما ينبئنا الإعلان- إلى إرتداء البذل والعيش بقية العمر أغنياء "كسيبة!"..ويا سلام على الشباب المنور أبو دم خفيف وهو متصور أنه لن يتزوج لمجرد انه عامل، بينما وظيفته "كمبحلاقاتي "يدب عينه في أكياس الموظفين الكادحين العائدين بالبطيخ – كفاكهة فلكلورية مرتبطة بالموظفين!- و"كشمام"يدس أنفه فيما ليس له ،وأخيرا كشخص معه شهادة جامعية محترف في دوري الطاولة وكراسي المعسل ،ستؤدي به إلى أن نصيبه وبنت الحلال ستأتيه في عقر المقهى ..وحتما ستخبره بعد الزواج أن ماجذبها إليه جلستة الشامخة على كرسي المقهى العتيق .."ماحدش يعرف يقعد قعدتك يا سي هيثم!"..يا عالم ..يا بشرية ..هل يوجد هذا في مصر؟..أعتقد أنه لا يوجد هذا النموذج الزاهد في العمل وإن وجد فهو نادر!- الإعلان يصور أن أغلبية شباب مصر لا يرغبون في التضحية..ومتمسكين بكرسي القهوة ،تاركين القطار يفوتهم!- وإلا ما جاءت صيغة الإعلان فيها ترهيب و وعظ-وإذا كان الأمر كذلك ..ما الذي يدفع صديقة لي في أسوان إلى أن تعمل بالثانوية العامة إدارية في مدرسة ..رغم أنها تحمل بكالوريوس علوم وتربية قسم رياضيات!- بلاش أهي بنت -..وما الذي يدفع زميلها الشاب العامل في المدرسة "فراش بالعامية"..إلى أن يضحي ب"روب" المحاماة ،والدفاع عن المظلومين حتى وإن كان سيدافع عنهم مثل عبد الفتاح القصري في "الأستاذة فاطمة"..ليعمل عاملا بشهادته الإبتدائية..بعد ليسانس الحقوق الذي هو قد الدنيا!..ما الذي يدفع هذا الشاب الذي حكت لي عنه أستاذتي في الجامعة أن يعمل بوابا في عمارتهم وهوحاصل على ليسانس الآداب!..طبعا الإجابة واحدة ..الخوف من أن يفوتهم القطار ..وربما لو كنت مكانهم لن أتردد في البحث مثلهم – رغم أن وضعي كفتاة مختلف-لكن غفر له الله عمنا صلاح جاهين ..الذي تنبأ يوما "بأن البنت زي الولد"..كأس وداير على الكل!..ربما لو سألت أي شاب ..تروح تشتغل في مصنع ؟..لن يجادلك ويفند لك الحجج .."معايا شهادة ..الحكومة هتشغلني..صوابعي فيها سخونية!"ولن تضطر كمذيع الإعلان للدفاع عن الحكومة والرد بأنها يا ضنايا .."عندها 6 مليون موظف مش عارفه توديهم فين"!..أي شاب ستعرض عليه عرض مثل هذا – حتى لو كان خريج طب مع الأسف!- سيفرح وربما قال لك "مصنع مصنع ..إن شا الله مصنع طرشي!"..لست متشائمة ..أبدا ،البلد ستصبح بلدا صناعيا ،لأن الشباب الجامعي سيعمل في المصانع ،وإن كنت لا أدري ماهية العمل الصناعي الذي سيعمله ..ربما عملوا في مجال التعبئه وتقفيل الكراتين !..لست متشائمة ..لكن طالما الحكاية واضحة والنهاية معروفة ..لماذا كل هذا الصراع التعليمي المرير والعك و الصداع ..إذا كان الشاب سيتخرج ليصبح عاملا ؟ - سيقولون إنها ثقافة عامة ومعلومات تجعله عاملا مثقفا ..- ياللإفتراء ..15 سنة معلومات عامة!- بصراحة ..أقترح إلغاء التعليم العام وجعله تعليما صناعيا طالما ان بلدنا لم تعد على الترعة تغسل شعرها بالبلهارسيا، واتجهت إلى "البيسين"بالكلور والشامبو!..وفي طريقها لمنافسة اليابان – التي نالت استقلالها في الخمسينات!- وأهو نساهم في التطور الصناعي ..خطوة خطوة ..فاليوم نغلف اللعب الصينية ونجمعها – بعد ما كنا متخلفين نستوردها متقفلة وجاهزة!-..وبالمرة ..شباب مصر كلهم يركبوا القطر قبل مايدوس عليهم ..وعجبي! ا