Monday, July 1, 2013

كفن شرعي



إعلانات ورقية مُلقاه بإهمال على الرصيف بشكل لافت، التقطت احداها، (حفل غنائي تغني فيه "عفاف راضي" مع "نانسي عجرم"، الحفل مجاني، الثانية عشر ظهراً وعنوان المسرح)، "عفاف راضي.. نانسي عجرم؟!" 

المسرح مُقام فوق سطح منزل قوامه الخرسانة فقط، أعمدة رمادية دون حوائط، مجرد سور بالطوب الأحمر مطلي بالجير الأبيض بشكل عشوائي، لا أحد بالخارج، أخمن أن الحفل قد بدأ، أنظر من الباب الموارب أرى "عفاف راضي" تقف على المنصة وحدها.. شابة في العقد الثالث.. لا أستطيع تمييز ألوان فستانها، ربما كان وردياً، كانت "عفاف" مقتطعة من تسجيل قديم في أوائل السبعينيات -أبيض وأسود- تغني بشجن للفراغ المترامي حولها.. لا فرقة موسيقية.. لا نانسي عجرم.. لا جمهور.. لا شيء..

يـا لُـقـا الغــريـب على صدر الحبيب

يا شــوق المـسافر للمـرسى القــريب
يا وداع الصـحاب وعـودة اللي غاب
وفــراق الأحبـاب وحـيـرة الأغـراب
كله في المـواني يابا.. كله في المواني

* وآه ع المواني يابا.. آه ع المواني..




انقبض قلبي، تركت المسرح، استوقفني إعلان مُكرر على سور المسرح –من لصق هذا الإعلان بهذه السرعة؟..
"كفنك الشرعي عندنا"..
 ورقم هاتف مميز لخدمة التوصيل المجاني.. 

 حفظت رقم الهاتف رغماً عني، ألعن ذاكرتي التي تهتم بالأرقام إلى هذا الحد.. حاولت صرف تفكيري عن الإعلان، من أي طريق جئت إلى هذا المكان؟ لاح لي ما يُشبه الباب، حاولت فتحه، أفزعتني طرقات خفيفة على كتفي، دنا مني رجل مائل للقِصر، ملامحه مُشوشة تُشبه صورة رديئة اُلتُقِطَت بكاميرا بدائية، يرتدي جلباباً أبيض –أو هكذا خُيل لي- و(طاقية شبيكة)، يعلق على رقبته بشريط حريريّ أحمر نفس اللوحة الإعلانية "كفنك الشرعي عندنا"، حاول الامساك بيدي قائلاً بشكل آلي "أحبك.. أحبك.. أحبك.. أحبك" دون توقف، أصابني الرذاذ المتطاير من فمه، ورائحة صابون غسيل الأطباق السائل المنبعثة منه بالغثيان.. أجري.. "أحبك.. أحبك.. أحبك".. أصل للسُلم المؤدي إلى مكان لا أعرفه.. أنزل، أتعثر، يطاردني "أحبك.. أحبك.. أحبك".. لا ألتفت، رائحة الرطوبة المختلطة برائحة الأسمنت تخنقني.. "أحبك.. أحبك.. أحبك"، صوت رصاصة مُدوي، أسقط، اخترقت الرصاصة جمجمتي، لم أشعر بألم، لم أفقد وعيي بعد، مُدهش! صوت طقطقة عظام جمجمتي مُجسماً كلوح زجاج مشروخ.. طعم الدم المالح الذي ملأ جيوبي الأنفية بدا مألوفاً، حل الظلام تدريجياً مع محاولة صعبة مني لنطق الأحرف الأنفية في الشهادتين..  وصوت خافت يتردد
"أحبك.. أحبك.. أحبك"..

------------------
.كلمات الأغنية: عبد الرحيم منصور*

Friday, March 22, 2013

مفقودون

في التسعينات..

كانت تتابع باهتمام فقرة -أو برنامج- التنويه عن المفقودين على القناة الثالثة، طفلة تتخيل مصير أطفال مثلها تاهوا وسينتهي بهم الحال عند "الكتعة" خاطفة الأطفال نعيمة الصغير- في فيلم (العفاريت) . كانت صور المُنوه عنهم تعرض غالباً على مقطوعة مؤثرة لياسر عبد الرحمن، كانت تحضر ورقة وقلم تكتب فيها أرقام الهواتف التي تظهر على صور الأطفال فقط، وتلتقط صوراً فوتوغرافية افتراضية بعينها-كانت تحفظ الوجوه جيداً- من يعرف؟! ماذا لو وجدت أحدهم؟ هل ستتصل بهم من هاتف محل بقالة الإيمان المجاور لمنزلها-لم يكن لديهم هاتف بعد- أم أن طارق علام سيكون بالصدفة على احدى سيارات النقل التي توزع جنيهات ذهب وستسلمه له وهو يعرف كل الناس وسيوصله لأهله.. من يعرف؟ 

2000's

تتابع الصُور المُعلقة على أعمدة الكهرباء ووسائل النقل العام لمفقودين، بالأبيض وأي لون آخر، غالباً ما يكون أزرقاً أو رمادياً،  لا يمر بخاطرها أن تُسجل أي رقم من المكتوبين على الورقة على هاتفها المحمول، تنظر للصورة نظرةً عابرةً تكفيها لمدة محطة أوتوبيس عساها تعثر على أحدهم خلال رحلتها القصيرة، من يعرف؟

2007 
صور المفقودون على مواقع التواصل الاجتماعي المصحوبة بـ  "اعتبرها أختك، ينوبك ثواب، انشرها ولك الأجر" تخيفها، كل هؤلاء؟! ربما ضغطت زر المشاركة  مرات قليلة، تسأل نفسها عن ما إذا كانوا مفقودين بالفعل؟ من يعرف؟

2013 فبراير
برنامج مسائي يعرض صورة لشاب مفقود، تقول المذيعة أن هذا الشاب تبحث عنه أمه منذ آخر يناير. كاد أحد الجالسين معها أن يغير المحطة، صرخت فيه "استنى..  استنى" أخذت الريموت وضغطت على زر التسجيل، سجلت ثلاثين ثانية بها صورة وبيانات "محمد الشافعي"، عاودها أمل قديم بأنها ستجد مفقوداً ترده لأهله، لكن أي منطق هذا؟!  محمد كان في مظاهرات ذكرى 25 يناير، أين ستجده؟ في معسكر للأمن المركزي؟.. بالطبع لا!  ستجده في قسم شرطة في مصادفة درامية نادرة وهي تجدد بطاقتها الشخصية ستقابله في "كوريدور" القسم برفقة أحد العساكر مكبلاً بـ الكلابشات"، ستتصل بأمه وتطمئنها أنها رأته في أحد أقسام الشرطة.. من يعرف؟ 
بعدها بأيام عرفت أن "محمد الشافعي" استشهد يوم 29 يناير، وأنه طوال تلك الأيام  كان في المشرحة..  لماذا سجلت صورته وبياناته؟

Thursday, March 7, 2013

زهقت


..زهقت.. وبحاول أفتكر زهقت من إيه

   يعني إيه زهقت أصلاً؟

Wednesday, March 6, 2013

تعرف؟!

تعرف؟
يُقلقني أن تنتهي حياتي دون معنى.. أن أُقتل في مكان ما فأصبح رقماً تتداوله نشرات الأخبار، لا أريد أن أموت في حادث أكون ضحيته الوحيدة.. أريد حادث عظيم يموت فيه مثلاً مثلاً مائة، رغبة في الونس.. ثم أنني لا أريد أن أسمع أحدهم يحمد الله تعالى أن الحادث ضحيته فرد واحد -أمر مُقزز!- امرأة مجهولة الهوية.. من سن ما، ترتدي زي ما، لون بشرتها كذا، لمن يريد التعرف عليها الذهاب للمشرحة حيث أنها فيما يبدو نسيت هاتفها المحمول وبطاقتها الشخصية.. يع!.. تعرف؟ أقلق كثيراً في اليوم الذي أنزل فيه الشارع في مشوار لا يتعد العشر دقائق ذهاباً وإياباً دون ما يُثبت هويتي!

تعرف؟..
بعد حوادث القطارات الأخيرة طاردني كابوس مُدهش، أقف فيه خلف باب يقرعه مجهول، لا أعرف إن كان شخص ما، حيوان مفترس، أو عفريت.. عندما حاولت أن أتبين الأمر من خلال عدسة العين السحرية، قام ذلك المجهول بالتشويش عليها.. تجمدت رغم أن الباب مغلق، لا أعرف لماذا خفت؟ ولما رأيتني أموت؟.. هل لأنه اختار العين السحرية بالذات؟!

!تعرف؟
أنا جبانة.. 
25  jan  2013. 1:15 am

Wednesday, July 4, 2012

الحد- قصة




شخص لزج، هوايته الثانية بعد جمع كروت الشحن الفارغة في ألبوم صور، مراقبة جيرانه. عمل فترة في دولة خليجية "مبلط سيراميك"، لكن سرعان ما عاد ليستقر على فتح سنترال صغير يبيع فيه كروت الشحن بنفس سعرها كأقصى طموح وصل إليه، طلبت منه امرأته الطلاق بعد فترة قصيرة من زواجهما، تنازلت له عن كل شيء دون أن تبدي أسباباً واضحة، بعدها قام بخلق قصص عن ابن خالتها الذي هربت إليه "شوكت الدرمللي" أغنى أغنياء مرسى مطروح وتركته أربعينياً وحيداً يعاني آلام الوحدة. أصلاً لم يكن لمطلقته ابن خالة.
 
جارته "سعاد"، مُطلقة، مُدرسة ابتدائي، يرى فيها "جمال" نصفه المفقود، مثيرة ولافتة للنظر على الرغم من طرحتها "المنكوشة" ومظهرها الذي لا تأبه به كثيراً، يراقبها –حتى يختبر أخلاقها- يحاول لفت نظرها لكن دون جدوى. لم يكن يعلم أن علاقتها بامرأته السابقة قوية، فكانت تعلم بعض من دناياه، حاول التحرش بها –بطريقة ظنها بريئة- فكانت من نصيبه فضيحة محترمة، ضربته وأقسمت لو اقترب منها مرة أخرى سوف تشيعه بنفسها إلى المقابر، وعندما قال أنها لا تدرك معنى كلامها وأنه يجب أن تحترمه لأنه رجلً وأكبر منها سناً، أكدت أنها في المرة القادمة ستقتله وتعلقه ذبيحة تأكل منها كلاب المنطقة، طالما أن عرضها الأول بميتة مستورة لم يعجبه.
 
أقسم جمال أن ينتقم دون أن يفصح عن نيته في ذلك، أخرجته سعاد من دور الضحية الذي يعشقه إلى دور الجاني، على الرغم من دفاعه عن نفسه بأن فعلة سعاد مجرد "تماحيك نسوان"، وأنها أصلاً امرأة –ستر الله ولايانا- شبه منحرفة؛ لأنه لم يتأكد –للأمانة- من انحرافها الكامل، وإلا لما هي الآن مطلقة وتعيش وحدها حتى لو في العمارة التي ورثتها عن أبيها، وهل هناك امرأة محترمة تقوم برفع صوتها على رجل في الشارع ثم تخلع نعلها وتقف حافية أمام الخلق دون أن تستر قدميها بجورب شفاف حتى؟ بعض من  يؤمنوا بأن المرأة كائن حي منحرف بالفطرة صدقوه، لكن هذا لم يشفِ غليله، وتمنى لو كانت لديه الجرأة أن يضرب نفسه بسكين في مكان غير قاتل ثم يمسح بصماته ويتهمها بأنها كانت تنتوي قتله –خاصة وأنها هددته أمام عدد لا بأس به من الناس- ثم تُسجن بتهمة الشروع في قتله عمداً..
 
أغلق جمال السنترال في الفترة المسائية على غير عادته، وعندما كان يسأله الناس، كان يتشنج ويبكي قائلاً أنه في حاجة إلى نقاهة نفسية بعدما اهتزت صورته أمام نفسه؛ لأن رجولته البكر لم تسمح له بالرد على امرأة كسعاد. كان جمال في فترة الأجازة يراقب سعاد من شرفته المواجهة لعمارتها، أيام طويلة يراقبها ويعرف مواعيد خروجها وعودتها، والمترددين على المنزل، لم يهدأ باله إلا عندما رأى سيارة فارهة صاحبها في العقد الخامس من عمره، نزل منها متجهاً لباب العمارة، منظر السيارة وصاحبها غير مألوف بالنسبة له، لا أحد في العمارة له علاقة بذلك الغريب سوى سعاد؛ فالساكن في الطابق الأخير لم يعد من عمله وامرأته غاضبة عند أهلها كالعادة، وعم محمد  القاطن في الدور الثالث سافر أمس مع أسرته.. لم يعد في العمارة غيرها في الطابق الثاني.. سعاد الحافية..
 
أمام عربة الكارو التي يمتلكها عبد العال العربجي كان جمال يقف معه ومع الشيخ إبراهيم ، اكتفى بهما على أن يقوم بعد ذلك بإيقاظ بقية الجيران في الشارع، كانت حجته التي قالها للرجلين أن مصيبة ستحل بالشارع وأن غضب الله سيدمر كل من يتغاضى عنها، شرف الرجولة والنخوة في خطر بالغ، يجب أن يُنقذا الوضع بأسرع ما يمكن
-أي وضع يا أستاذ جمال؟ قالها الشيخ إبراهيم متصنعاً الهدوء
-يا شيخ إبراهيم مش عايز أقول كلام كبير..
-واشمعنى إحنا يا سي جمال اللي صحيتنا دوناً عن الشارع كله؟
- أصل.. أصل إنتم يا عم عبده الكُبار هنا.. احنا بنعتبرك عمدة الشارع، والشيخ إبراهيم راجل تقي ومتدين وحافظ القرآن كله..
إبراهيم مقاطعاً:
-وإحنا بقى المفروض نصدقك؟ ما تورينا كارثة إيه عشان نخلص ذمتنا قدام ربنا..
اصطنع جمال الرعب فجرى نحو عمارة سعاد وهو يهتف.."سامعين.. سامعين؟"، جرى الشيخ، وسحب عبد العال كرباجه، انطلق الرجلان خلف جمال الذي صعد السلم وتوقف أمام شقة سعاد.. وقال "هُس..."
صرخ فيه العربجي:
-يا برودك هي عشان ما هزأتك ما تلحقهاش؟.. الست وحدانية وهتتقتل إحنا مش رجالة ولا إيه.. إوعى كده..
رد جمال ببرود:
-ما هي هتتقتل بس صبرك..
ثار الشيخ إبراهيم محاولاً سحب جمال من أمام باب الشقة..
-إوعى كده صبر إيه.. هتلعب بينا ولاّ إيه؟
كان الرجل الغريب الموجود بالداخل قد فتح الباب إثر الضوضاء التي أحدثوها..
- إيه الدوشة دي .. عايزين حد هنا؟
بادره جمال:
-إن جيت للحق إحنا عايزين الحد نفسه وهنطبقه.. وبعدين إنت مين أصلاً؟ وكمان مشغل التلفزيون بعلو حسه على قناة مشبوهة..
-حد مين وبتاع مين؟.. وإنت مال أهلك أنا مين؟
اندهش الشيخ إبراهيم والعربجي من الوجه الجديد على المنطقة، وتمتم الشيخ "إن بعض الظن إثم" بينما اكتفى عبد العال العربجي بضرب كفاً بكف..
أكمل جمال:
-شايف يا عم عبده؟ شايف يا سيدنا الشيخ؟ آدي الهانم اللي عاملة فيها شريفة عشان خبطت فيها بالغلط، أهي معاها راجل غريب ف بيتها بقى لهم أكتر من نص ساعة ده زنا وزنا واضح وسري وأنا كجمال مش هقبل مساومة في شرع الله..
كان الرجل الغريب قد أمسك برقبة جمال وفعل جمال معه كذلك بينما إبراهيم وعبد العال يحاولان تخليصهما، تدريجياً تجمع بعض الجيران على صوت الشجار وجاءت سعاد مرتدية "مريلة المطبخ" وصرخت..
-خالي..
-خالها؟
-خالك؟
هدأت الأمور نسبياً من صدمة المفاجأة..
-أيوة خالي وراجع من الكويت النهارده..
ثار جمال:
-طبعاً يا فاجرة حججك متستفة وجاهزة.. وبعدين حتى لو خالك إيه اللي ضمني إنه والعياذ بالله ما يكونش في زنا محارم؟ اثبتي.. عايزين شرع ربنا لا تنازل..
هنا ضربه عبد العال العربجي كفاً أرداه أرضاً.. وحاول أن يعتذر لسعاد قائلاً:
-  مش محتاجة تثبتي حاجة يا أبلة سعاد..
ثم طلب منها إحضار حبل غسيل، قيّد به جمال وأنزله الشارع حتى يكون على مرأى ومسمع من الناس، بينما استمر على الرغم من القيّد يصرخ:
-شرع الله.. إنتم بتكيلوا بمكيالين..
هنا قال الشيخ إبراهيم مُبتسماً:
-  وأنا يا ابني ما أرضاش أتنازل عن شرع ربنا في حالتك دي.. ناولني كرباجك يا عم عبده..
صاح جمال مولولاً:
-هتعملوا فيّ إيه؟.. هتعملوا فيّ إيه يا كفرة؟
 
 
بعد الواقعة باع جمال السنترال، ونقل نشاطه لمحافظته التي تركها طفلاً لا يعرف أحداً عنه شيء، واستغل آثار الجلد على ظهره في لوحة دعايته للسنترال الجديد، فوضع على اليمين صورة ملونة لظهره المخطط بآثار الكرباج، وعلى اليسار صورة أحمد زكي في فيلم البريء وكتب في المنتصف بخط عريض "سنترال جابر البريء" وتحتها بخط أصغر قليلاً "مُعذب سابق في سجون أمن الدولة"، وكان عندما يسأله أحد زبائنه عن التعذيب إن كان حقيقياً، كان يكشف ظهره بسرعة قائلاً: "آه والله.. حتى شوف!".ا


 


Tuesday, April 24, 2012

جثة سالم


جثة سالم

وقف مسعود في حيرة أمام الجثة المسجاة أمام دكانه، وسأل نفسه مندهشاً "بعد الفجر.. حبكت؟".. دقق النظر في ملامح الوجه وقال هامساً "هو بعينه.. يبقى جثة ولاّ مش جثة؟".. عندما استبعد فكرة الموت عن صاحب الجثة، استغفر الله؛ إنه ليس كأحد من عباد الله في البلد، إنه "الريس سالم" أو "سالم بيه" رئيس الأمن والحاكم الفعلي لهذه القرية الصغيرة، ولذلك استبعد مسعود مسألة قتله.. "أعوذ بالله"، لعله فصل من فصول سالم الباردة التي دائماً ما يُمطر بها أهل القرية تحت مُسمى "اختبارات الوطنية"، أليس سالم من قام بالأمس البعيد بأمر أحد عسكره بإلقاء نفسه في عرض الطريق محدثاً بجسده بعض خدع الماكياج السينمائية التي توهم من يراه أنه قتيلاً، وعندما رآه بعض المارة فرحوا وهللوا ولعنوا سالم وعسكر سالم واليوم الذي ابتليت البلاد فيه بسالم، وما إن تنتهي وصلة السباب حتى يقوم العسكري من مكانه ويقبض على المواطنين، ثم يخرج "الووكمان" من جيب جلبابه مسجلاً عليه دليل إدانتهم "كراهية نظام سالم".

تذكر مسعود ما حدث وقال "لكن سالم بنفسه عامل نفسه جثة.. دي لازم في حاجة خِطرة جدت في البلد"، يقترب أكثر من الجسد الممدد، ثم يقول في صوت عال نسبياً "الله يرحمك يا سالم بيه.. والله ما عارف أقرا لك الفاتحة ولا أدعي ربنا معجزة تحصل تقوم تدب فيك الروح وترجع لبلدك وناسك، ولو إن حتى وسيادتك لا مؤاخذة لا مؤاخذة ميت، شكلك مليان بالروح والإنسانية.. الله يرحمك"
لم يتحرك "سالم" من مكانه، تذمر مسعود وقال في نفسه "ده بدال ما يقوم يشكرني؟.. وبعدين مالقاش إلا مكان أكل عيشي يعمل فيه ميت بصلصة الطماطم اللي فوق جلابيته دي، والله والله لولا الجبن اللي الواحد فيه، كنت ناديت فوزية مراتي تلم شوية من اللي على صدرك في حلة ينفعونا ف أيام الزنقة دي" خُيل لمسعود أن سالم قد تحرك، أو لعله تحرك فعلاً، فأدرك أن لعناته لسالم في السر جعلته يتحرك لينتقم، فقال من فوره "الله يرحمك يا سالم بيه" ثم قرأ الفاتحة، وجلس على مقربة منه.
في ذلك اليوم بعث سالم بالعسكر جميعاً في مهمة رسمية بالخارج تستغرق أياماً قلائل، وقال لهم متحدياً عندما أصر البعض على البقاء معه "مش هاعرف أحكمها لوحدي؟!"؛ لذلك كان مسعود شبه متأكد من أن سالم يريد أن يحبك واحدة من تمثيلياته العديدة على أهل القرية، وبالتالي حلف بألا ينوله غرضه الدنيء "أنا أتسجن؟"، الغريب أن مسعود لم يخف أن يُتهم بجريمة قتل، وكأن لديه يقين بأن الحياة تدب في سالم بنسبة 99.99 في المائة.

لم يكن مسعود وحده يعتقد في ذلك، فعندما بدأت الشمس في الشروق، وبدأ الناس في الخروج لمصالحهم، تجمعوا عند جثمان سالم، أشار لهم مسعود بالتزام الصمت.. فهموا مقصده، وبدأت قصائد المدح والرحمة تتنزل على رأس سالم، لكن سالم لم يستجب لهتافاتهم.. وعلى الرغم من ذلك لم يفكر أحد في احتمالية وفاته. اقترح أحدهم أن يتم نقله إلى دار الضيافة التي يمتلكها، حيث يأخذ راحته، لم يناقشه أحد، فوجود سالم في حد ذاته في أي مكان أمر مقبض حياً كان أو ميتاً لا حول له.
في دار الضيافة قاموا بتمديده على الكنبة، وجلسوا حوله، وقرأوا الفاتحة، ثم قال مسعود: "ما تستبعدوش يا جماعة إن المعجزة تحصل والروح ترجع له، إحنا لازم كل واحد فينا يخلي مراته تعمل اللي فيه النصيب ونسيبه قدامه، ده راجل واحداني لا ست ولا عيال".. وافق الجميع على الاقتراح ممنيين أنفسهم برضا سالم عليهم عندما يسدل الستار على مسرحيته. كان مشهد الدخول بالطعام ووضعه أمام الجثة أشبه بتقديم القرابين. عندما أغلقوا الباب خلفهم، تنفسوا الصعداء، وأخذوا كعادتهم يلعنون في أنفسهم "ابن المحظوظة".


لم تكن رائحة العفن المنبعثة من دار الضيافة دليلاً كافياً على وفاة سالم، كان بعضهم يتحجج بأن الطعام ربما قد فسد. يقيناً خفياً داخلهم هذه المرة يؤكد أن سالم قد مات بالفعل، لكن رغبة انتقامية أقوى منهم دفعتهم لتخيل أنه لا زال حياً.

مروة
كُتبت في 9 أكتوبر 2010

Monday, April 16, 2012

سر السيدة الكرواتية

..........


من شباك الآخرة تطل عليه، تحاول إقناعه أن معها الجنسية الكرواتية.. كل يوم تأتي له في منامه.. "حرام عليك اللي بتعمله ف الناس، أنا كرواتية يا طلعت.. أنا كرواتية.. عايزة أقول لك إني.."، يقوم طلعت مرعوباً قبل أن تكمل أمه بقية جملتها، يشرب من زجاجة المياه المعدنية التي يشتريها كل يوم لمثل هذ الموقف؛ لأنه يعتقد أن شُرب مياه الحنفية بعد الكوابيس تسبب أمراضاً مزمنة للجهاز العصبي المركزي.

عندما يخرج لجمهوره يقول لهم: أمي لم ولن تكن كرواتية، إن شركة (روتيتو للشيبسي) ذات الأصول الكرواتية هي التي تآمرت عليّ، حتى قارنوا بين شكل علم كرواتيا وشكل كيس الشيبسي بتاع روتيتو اللي هي في الأصل روتيت، المقطع الأخير منها "تيت" بمعنى الفعل القبيح.. "تيت" رمز خطير يا سادة يردده الليبراليون قال إيه عشان يبقوا مؤدبين وما يقولوش لفظ قبيح. في كل مؤتمر يعقده "طلعت"يثور الأتباع والمريدون.. ويهددون بالدم، وبتمزيق الأوصال وفتح كرواتيا وضمها لمصر. عندما يعود "طلعت" إلى منزله، يتكرر نفس الكابوس، وفي اليوم التالي في المؤتمر يصرخ في مريديه"دي مؤامرة.. الإدارة الكرواتية التي لا تريد شرع الله سرقت شفرة روحي وبتبعت للاوعي بتاعي واحدة من عالم الجن شبه أمي عشان تيجي لي في المنام وتقول لي إنها كرواتية.. هي حصلت.. سوف نمحو كرواتيا من على وجه الأرض
.



تظهر المفاجأة عندما تأتي الفنانة المعتزلة "إيفون طلعت شوقي السيد حنا

الشهيرة بـ "إيفا سليم" في اللحظات الأخيرة وتعلن أن ضميرها عذبها كثيراً بعد أن عرفت أن السيد طلعت في ورطة؛ ولأنها تريد إنقاذ البلاد، فإنها تُعلن أنها الأم الحقيقية للمرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية، وأن والده طلقها وتزوج بفتاة كرواتية الأم، مصرية الأب، اسمها "سناء أحمد إبراهيم زيان" وأخذ ابنها منها وكتبه باسم الكرواتية واختفى. لم تكن إيفون متأكدة من أن طلعت ابنها إلى أن سمعت حكاية جنسية أمه الكرواتية.. وعرفت باليقين القاطع أنها أمه. ثم أخرجت قسيمة زواجها من والد طلعت، وطلبت تحليل (دي.إن.إيه) لإثبات الأمر أمام اللجنة العُليا. صُدم طلعت: أمي مسيحية وأنا مُرشح إسلامي!.. لكن.. مش عيب أبداً، هي في الآخر مصرية. نسى طلعت أمر أمه التي ربته -ذات الأصول الكرواتية- بل وتبرأ منها قائلاً "الأم اللي تغش ابنها ما تبقاش أمي أنا".


قبل طلعت يد والدته السيدة إيفون في مؤتمر براءته من الشبهة الكرواتية -بعد نجاح التحليل وإثبات أنها بالفعل أمه الحقيقية- وقال موجهاً الكلام لأنصاره في مسجد الحاج رشيد: الست النصرانية الطيبة المعتزلة المحجبة عشان تعاليم الدين المسيحي وعشان بتحترم ديننا وعقيدتنا.. الست دي أمي.. استحملت كل السنين دي بُعدها عني.. هي طبعاً ممكن تفكر بعد فترة ما تشهر إسلامها، لكن.. لكن.. لا لا.. ربنا بيقول "لا إكراه في الدين" وكفاية إنها ...

مصرية.. هتف المؤيدون.. مصرية.. مصرية.. مصرية

.................................................................


Saturday, October 29, 2011

لك.. لك.. لي


وجد امرأته ترتجف عندما دخل داره في ساعة متأخرة، كان عبد البديع رئيس شرطة السلطنة به مهموماً بعد لقائه العاجل

بالسلطان.. لم تمهله "وديعة"، عاجلته قائلة: سمعت؟ سمعت يا عبد البديع؟.. أنا مش هاخرج من البيت إلا ما تحل المُشكل ده.. بقى إنت تبقى حامي الأمن ف البلد ويخشها حيوان غريب صوته.. ده مش صوت.. دي دوامة.. ده ممكن لو خرجت اتاخد فيها وأروح فطيس.. أنا.." قاطعها عبد البديع "صوت إيه وبتاع إيه.. دي حاجة اسمها زغرودة.. لما الناس.. قصدي ناس غيرنا بتفرح بتعمل الصوت اللي سمعتيه ده.. والله ما أنا عارف مين الفرحانة دي اللي طبت على بلدنا الليلة وهاتقرفني ف عيشتي مع السلطان المعتوه ده.. واحدة فرحانة.. إيه القلق ده؟".. "نعم يا عبده؟.. يعني ده صوت إنسية؟".. "أيوه!.. إحنا هنا لما بنفرح بنقول إيه؟" فقالت "ده لما بنفرح يعني.. بنقول لك لك لك لك" أسكتها عبد البديع "بطلي الصوت المزعج ده.. أهي اللكلوكة دي زي الزغرودة عند ناس غيرنا.. أف!.. أنا ف إيه ولا ف إيه؟ المفروض أتصرف..

لم يكن عبد البديع يعرف التصرف المناسب الذي يمكن فعله.. طلب منه السلطان أن يقبض على المتمردة التي فعلت هذا الفعل الذي جرمه السلطان الأكبر.. عبد البديع بفطرته لا يرى في الأمر جريمة، وإذا باح للسلطان برأيه ربما كلفه الأمر رقبته.. حجة السلطان أن فعل "الزغرودة" ينطوي على تمرد، اعتراض على سلطته التي يرى أنها فطرة فيه وفي ذريته إلى يوم يبعثون.. فصوت "لو لو لو" في مقدمة الزغرودة يعني أن هناك أمنية ما مكبوتة "لو أنها تحدث.. لو!".. وصوت "لي" في آخرها يعني ملكية، تلميحاً بأن شيئاً ما أصبح ملكاً للقائم بفعل الزغرودة.

في البداية حاول عبد البديع إقناع السلطان بأن الصوت لامرأة عابرة لن تقدم ولن تؤخر.. رد عليه السلطان "أهي دي ممكن تكون واجهة لجوزها المتمرد الأكبر.. أبويا ما سابش حاجة في كتابه تاريخ الزغاريد في تهييج المطاريد.. يا بديع اتصرف.. مش كفاية عواء الصراصير وصفافير الديابة اللي بيقلقوا منامي.. بس دول بهايم ممكن أستحملهم.. اتصرف، اقبض عليها".

بلد مترامية الأطراف، زغاريد متتالية.. ومطلوب أن أقبض على صاحبة الصوت، بل وأن أحشد جنودي من أجل فعل تافه كهذا، إذا كانت امرأتي أنا أصيبت بالهلع من صوت من المفترض أن يكون مُبهجاً.. ماذا عن بقية الناس؟ كانت الأفكار تخنقه وهو يرتب جنوده المرتبكين استعداداً لمواجهة الزغرودة وصاحبتها.. لأول مرة يحس بحماقته على الرغم من الحماقات التي ترصع تاريخه كقائد شرطة السلطنة، إنه لا يعرف كيف سيوجه أوامر حمقاء للقبض على صاحبة الزغرودة سيئة الحظ، أحد جنوده قال له "أما أنا يا سيدي سمعت امبارح صوت غريب، ف الأول صحيح خفت منه.. بس فيه حاجة تسكر" أيده آخرون.. هنا فكر عبد البديع لحظة ثم قال "أهو عشان الخمر حرام، وكل ما يُسكر حرام.. والسلطان راجل بتاع ربنا.. لازم نقبض على الست صاحبة الصوت".. اندهش الجنود، كالعادة لم يعلق أحد.. كان الفضول دافعهم الأول في معرفة صاحبة البهجة التي باغتتهم..

كان السلطان يتوقع أن ينحسر الأمر تدريجياً، لكن ما أربكه أن الصوت أخذ في التزايد على شكل موجات متفاوتة في شدتها، عبد البديع نفسه لم يكن يتوقع هذا التطور؛ لأنه بالفعل قبض على صاحبة الصوت المغتربة التي أطلقت الزغرودة عندما وجدت ابنها التائه في أرض السلطنة، ورحلها لوطنها بشكل سري.. مع نهاية اليوم ملأت الزغاريد السلطنة، الكل يقول "لولولولو.. لي" عهد "لك لك لك" ولى!.. حتى اللاتي ولدن في هذا اليوم أطلقت أمهاتهن عليهن اسم "لولولولي" تيمناً..

عندما عاد عبد البديع ليلاً، وجد امرأته تخطب في جمع كبير من النسوة، بعض الرجال تابعوا عن بُعد.. كثيرون كانوا يثقوا فيها باعتبارها زوجة رجل الأمن الأول في السلطنة.. كانت تقول بثقة: "أيوة.. صدقوا النسوان اللي وصلوا لكم عني.. يا جماعة ما تخافوش.. أنا كنت في الأول خايفة زيكم كده.. بس جوزي الله يحفظه سي عبد البديع طمني وقال لي إنه صوت إنسية، إنسية فرحانة.. أصل الناس المفروض لما بتفرح بتقول "لولولولولي" مش "لك لك لك"، بلا لكلكة.. بلا عكعكة.. ياللا نتدرب عملي، ورايّ" ثم أطلقت زغرودة تبعتها زغاريد هادرة من الواقفات..

Sunday, October 16, 2011

سوابق


على كوبري الجامعة، تجلس "سوابق" متربعة، فوق رأسها قبعة مميزة من بقايا كتاب تاريخ مدرسي قديم.. تقول أنه كان لأخيها الذي ضحت من أجل أن يدخل ثانوي عام، تبكي جحود أخيها الذي كانت تضحي من أجله بإيراد اليوم كي يأخذ دروس تقوية في الفلسفة والمنطق والتاريخ، وعندما أصبح طبيباً شهيراً وله عيادة في "وسط البلد" لم يعد يقيم لها وزناً!.. تخرج بطاقة الرقم القومي التي تطلق عليها "البطاقة البلاستيك" كي تثبت أن لها أخ بالفعل، تستغل تشابه الأسماء بمهارة.. يصدقها العابرون، ويؤمنون على كلامها "كل شيء جايز!".. لا تتوقف عن سرد بطولاتها، فمثلاً.. كانت إذا مشت تكسو الأرض بالياقوت والسيراميك.. وإذا تكلمت غنت عصافير الربيع في عز الشتاء.. ثم تقسم أن عصفوراً ضربه أخوها الجاحد "الداكتور" بـ "النبلة"، نجحت هي في علاجه بماء الورد!.. ثم تعدل عن قسمها وعن حكاياتها، عندما تكتشف أنها صائمة وأنها في أيام مفترجة.. وتقول أنها شاهدت هذا الفيلم في طفولتها عندما كانت تعمل مع أبيها في بيع الأشياء "الساقعة" لجمهور "الترسو".. في الأيام الأخيرة ربطت رأسها بعلم مصر، ووضعت فوقه قبعتها القديمة.. وقبل أن تُسأل عن العلم بدأت حكايتها الجديدة: اشترته من مصروفها لأخيها الطبيب الجاحد، الذي طلبه منها لأنه حاول –كعادته العدوانية مع الطيور- اصطياد النسر الموجود على علم المدرسة، فتمزق، ونتيجة لذلك عاقبه الناظر، وطالبه بشراء علم جديد، وأيامها لم تكن هناك "ماتشات"، فاضطرت لشراء ربع قماش من كل لون وتفصيله عند الأسطى حليم الذي أخذ منها جنيه بحاله، وعندما ذهبت للمدرسة مع أخيها كي تسلم الناظر العلم، خُيل لها أنها تحمل كفنها على يدها في قضية ثأر-وكأن قلبها كان (حاسس)- ابتهج الناظر عندما رأى العلم، وعندما فرده اكتشف أنه بلا نسر.. فثار عليها، حاولت أن تقنعه بأنه ليس هناك أي داعِ لوجوده طالما أنه سيستفز الطلاب مرة لاصطياده.. لكن الناظر كان وطنياً، واعتبر أن ما فعلته إهانة لكرامة الوطن، وتزوير رسمي، فطلب البوليس.. وسجنت لمدة شهر مع الشغل، أعطتها النيابة العلم-حسب قولها- بعد أن أقنعتهم أنها ستستعمله ك"تربيعة" تستر بها الشيب الذي بدأ في الزحف على شعرها.. وبعد أن خرجت، صار اسم شهرتها منذ ذلك اليوم: سوابق..

Monday, October 3, 2011

New Post

استغربت كلمة "نيو بوست" وأنا أضغط عليها الآن كي أكتب تدوينة جديدة.. يا الله، كل هذه أيام تركت فيها مدونتي خاوية على عروشها؟.. ربما كان من الأفضل أن أكتب الآن.. أكتب لمجرد الكتابة وخلاص.. التنفيس عن الذات، حتى لو لم يعجبني أسلوبي، ولن أضطر للنظر لما أكتبه على إنه عملاً إبداعياً وبتاع.. هذه يوميات، أجندة على الانترنت