Saturday, October 29, 2011

لك.. لك.. لي


وجد امرأته ترتجف عندما دخل داره في ساعة متأخرة، كان عبد البديع رئيس شرطة السلطنة به مهموماً بعد لقائه العاجل

بالسلطان.. لم تمهله "وديعة"، عاجلته قائلة: سمعت؟ سمعت يا عبد البديع؟.. أنا مش هاخرج من البيت إلا ما تحل المُشكل ده.. بقى إنت تبقى حامي الأمن ف البلد ويخشها حيوان غريب صوته.. ده مش صوت.. دي دوامة.. ده ممكن لو خرجت اتاخد فيها وأروح فطيس.. أنا.." قاطعها عبد البديع "صوت إيه وبتاع إيه.. دي حاجة اسمها زغرودة.. لما الناس.. قصدي ناس غيرنا بتفرح بتعمل الصوت اللي سمعتيه ده.. والله ما أنا عارف مين الفرحانة دي اللي طبت على بلدنا الليلة وهاتقرفني ف عيشتي مع السلطان المعتوه ده.. واحدة فرحانة.. إيه القلق ده؟".. "نعم يا عبده؟.. يعني ده صوت إنسية؟".. "أيوه!.. إحنا هنا لما بنفرح بنقول إيه؟" فقالت "ده لما بنفرح يعني.. بنقول لك لك لك لك" أسكتها عبد البديع "بطلي الصوت المزعج ده.. أهي اللكلوكة دي زي الزغرودة عند ناس غيرنا.. أف!.. أنا ف إيه ولا ف إيه؟ المفروض أتصرف..

لم يكن عبد البديع يعرف التصرف المناسب الذي يمكن فعله.. طلب منه السلطان أن يقبض على المتمردة التي فعلت هذا الفعل الذي جرمه السلطان الأكبر.. عبد البديع بفطرته لا يرى في الأمر جريمة، وإذا باح للسلطان برأيه ربما كلفه الأمر رقبته.. حجة السلطان أن فعل "الزغرودة" ينطوي على تمرد، اعتراض على سلطته التي يرى أنها فطرة فيه وفي ذريته إلى يوم يبعثون.. فصوت "لو لو لو" في مقدمة الزغرودة يعني أن هناك أمنية ما مكبوتة "لو أنها تحدث.. لو!".. وصوت "لي" في آخرها يعني ملكية، تلميحاً بأن شيئاً ما أصبح ملكاً للقائم بفعل الزغرودة.

في البداية حاول عبد البديع إقناع السلطان بأن الصوت لامرأة عابرة لن تقدم ولن تؤخر.. رد عليه السلطان "أهي دي ممكن تكون واجهة لجوزها المتمرد الأكبر.. أبويا ما سابش حاجة في كتابه تاريخ الزغاريد في تهييج المطاريد.. يا بديع اتصرف.. مش كفاية عواء الصراصير وصفافير الديابة اللي بيقلقوا منامي.. بس دول بهايم ممكن أستحملهم.. اتصرف، اقبض عليها".

بلد مترامية الأطراف، زغاريد متتالية.. ومطلوب أن أقبض على صاحبة الصوت، بل وأن أحشد جنودي من أجل فعل تافه كهذا، إذا كانت امرأتي أنا أصيبت بالهلع من صوت من المفترض أن يكون مُبهجاً.. ماذا عن بقية الناس؟ كانت الأفكار تخنقه وهو يرتب جنوده المرتبكين استعداداً لمواجهة الزغرودة وصاحبتها.. لأول مرة يحس بحماقته على الرغم من الحماقات التي ترصع تاريخه كقائد شرطة السلطنة، إنه لا يعرف كيف سيوجه أوامر حمقاء للقبض على صاحبة الزغرودة سيئة الحظ، أحد جنوده قال له "أما أنا يا سيدي سمعت امبارح صوت غريب، ف الأول صحيح خفت منه.. بس فيه حاجة تسكر" أيده آخرون.. هنا فكر عبد البديع لحظة ثم قال "أهو عشان الخمر حرام، وكل ما يُسكر حرام.. والسلطان راجل بتاع ربنا.. لازم نقبض على الست صاحبة الصوت".. اندهش الجنود، كالعادة لم يعلق أحد.. كان الفضول دافعهم الأول في معرفة صاحبة البهجة التي باغتتهم..

كان السلطان يتوقع أن ينحسر الأمر تدريجياً، لكن ما أربكه أن الصوت أخذ في التزايد على شكل موجات متفاوتة في شدتها، عبد البديع نفسه لم يكن يتوقع هذا التطور؛ لأنه بالفعل قبض على صاحبة الصوت المغتربة التي أطلقت الزغرودة عندما وجدت ابنها التائه في أرض السلطنة، ورحلها لوطنها بشكل سري.. مع نهاية اليوم ملأت الزغاريد السلطنة، الكل يقول "لولولولو.. لي" عهد "لك لك لك" ولى!.. حتى اللاتي ولدن في هذا اليوم أطلقت أمهاتهن عليهن اسم "لولولولي" تيمناً..

عندما عاد عبد البديع ليلاً، وجد امرأته تخطب في جمع كبير من النسوة، بعض الرجال تابعوا عن بُعد.. كثيرون كانوا يثقوا فيها باعتبارها زوجة رجل الأمن الأول في السلطنة.. كانت تقول بثقة: "أيوة.. صدقوا النسوان اللي وصلوا لكم عني.. يا جماعة ما تخافوش.. أنا كنت في الأول خايفة زيكم كده.. بس جوزي الله يحفظه سي عبد البديع طمني وقال لي إنه صوت إنسية، إنسية فرحانة.. أصل الناس المفروض لما بتفرح بتقول "لولولولولي" مش "لك لك لك"، بلا لكلكة.. بلا عكعكة.. ياللا نتدرب عملي، ورايّ" ثم أطلقت زغرودة تبعتها زغاريد هادرة من الواقفات..

3 comments:

P A S H A said...

صباح الفل عليكيوعلى نصوصك البديعة
:)

بجد بجد نص ولا أمتع :)

تصفيق حاد لأسلوبك الهايل الخلاب

دمتي في خير وسعادة

تقبلي تحياتي

مروة جمعة said...

والله يا فندم تعليقات حضرتك أسعدتني ورفعت من روحي المعنوية كمان.. الله يكرمك

تحياتي :-)

Unknown said...

جامده يا مروه بجد عمرك موهوبه و لولولولولى :))))